الشنقيطي
226
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
نجس . وفي رواية عند مسلم عن عائشة بلفظ : « أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يغسل المنيّ ثمّ يخرج إلى الصّلاة في ذلك الثّوب وأنا أنظر إلى أثر الغسل فيه » « 1 » . قال مقيده عفا اللّه عنه : وهذه الرواية الثابتة في صحيح مسلم تقوي حجة من يقول بالنجاسة ؛ لأن المقرر في الأصول : أن الفعل المضارع بعد لفظة « كان » يدل على المداومة على ذلك الفعل ، فقول عائشة في رواية مسلم هذه : « إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يغسل » تدل على كثرة وقوع ذلك منه ، ومداومته عليه ، وذلك يشعر بتحتم الغسل . وفي رواية عن عائشة في صحيح مسلم أيضا : أنّ رجلا نزل بها فأصبح يغسل ثوبه . فقالت عائشة : إنّما كان يجزئك إن رأيته أن تغسل مكانه . فإن لم تر ، نضحت حوله . ولقد رأيتني أفركه من ثوب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فركا فيصلّي فيه « 2 » . اه . قالوا : هذه الرواية الثابتة في الصحيح عن عائشة صرحت فيها : بأنه إنما يجزئه غسل مكانه . وقد تقرر في الأصول ( في مبحث دليل الخطاب ) وفي المعاني ( في مبحث القصر ) : أن « إنما » من أدوات الحصر ؛ فعائشة صرحت بحصر الإجزاء في الغسل ؛ فدل ذلك على أن الفرك لا يجزء دون الغسل ، إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على غسله . وأما القياس - فقياسهم المني على البول والحيض ، قالوا : ولأنه يخرج من مخرج البول ، ولأن المذي جزء من المني ؛ لأن الشهوة تحلل كل واحد منهما فاشتركا في النجاسة . وأما حجة من قال : إنه نجس ، وإن يابسه يطهر بالفرك ولا يحتاج إلى الغسل فهي ظواهر نصوص تدل على ذلك ، ومن أوضحها في ذلك حديث عائشة عند الدارقطني الذي قدمناه آنفا : « كنت أفرك المني من ثوب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا كان يابسا ، وأغسله إذا كان رطبا » . وقال المجد ( في منتقى الأخبار ) بعد أن ساق هذه الرواية ما نصه : قلت : فقد بان من مجموع النصوص جواز الأمرين . قال مقيده عفا اللّه عنه : إيضاح الاستدلال بهذا الحديث لهذا القول : أن الحرص على إزالة المني بالكلية دليل على نجاسته ، والاكتفاء بالفرك في يابسه يدل على أنه لا يحتاج إلى الماء . ولا غرابة في طهارة متنجس بغير الماء ؛ فإن ما يصيب الخفاف والنعال من النجاسات المجمع على نجاستها يطهر بالدلك حتى تزول عينه . ومن هذا القبيل قول الشوكاني : إنه يطهر مطلقا بالإزالة دون الغسل ، لما جاء في بعض الروايات من سلت رطبه
--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) أخرجه مسلم في الطهارة حديث 105 .